وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ
دراسة عقدية في بركة المسيح عيسى (عليه السلام)
www.islamic-invitation.com
إعداد الدكتور سليمان خليل
مقدمة
كان عيسى ابن مريم (عليهما السلام) مُبَارَكًا في جميع مراحل حياته. وفهمُ هذه البركة مَبْنِيٌّ على عقيدة التوحيد التي تؤكد أن معجزاته دليلٌ على صدق نبوته، وشاهدٌ على عبوديته لله، وليست دليلاً على ألوهيته؛ إذ إن كل ما جرى على يديه مقيَّدٌ بمشيئة الله تعالى وإذنه. وقد غلا فيه فريقٌ فرفعوه فوق منزلته وزعموا ألوهيته أو بنوّته لله، وكذّبه آخرون وآذوه، والحق هو ما قرّره القرآن الكريم من أنه عبد الله ورسوله
وهذه الدراسة تعرض مظاهر بركته التي دلّ عليها الوحي، وتفرّق بين ما ثبت بالنص، وما هو تفسير للسلف، وما هو استنباط؛ ليعرف القارئ ما هو منصوص وما هو اجتهاد، فلا يُنسب إلى الوحي ما ليس فيه
تمهيد: معنى البركة
البركة في اللغة: النماء، وكثرة الخير وثباته ودوامه. وقد ذكر المفسرون في معنى ﴿مُبَارَكًا﴾ أقوالاً متقاربة، منها: نفع الناس، وتعليم الخير، والدعوة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ حيثما كان. والله سبحانه هو واهب البركة ومقدِّرها، وقد يجعلها فيمن يشاء من عباده وأعمالهم وأزمانهم وأماكنهم على الوجه الذي دلّ عليه الشرع
المهد: بداية البركة ونشر التوحيد
بدأت البركة الظاهرة من المهد، حين تكلَّم عيسى (عليه السلام) في المهد بإذن الله (عَزَّ وَجَلَّ)؛ لتبرئة أمه مما اتُّهمت به، فقرّر حقيقة ذاته وعقيدة التوحيد الخالص، فبدأ بإثبات العبودية لله ونفي الألوهية عن نفسه، وفي هذا تنزيهٌ لله (عَزَّ وَجَلَّ) عن الولد والشريك
وفي الآية أيضاً وصيته (عليه السلام) بالصلاة والزكاة ما دام حياً، وهما من أعظم شعائر العبودية
:ثم قال
فذكر برَّه بوالدته مع وصيته بالصلاة والزكاة، وختم كلامه بقوله
وقد أخبر الله تعالى أنَّ السلامَ عليه يومَ ولادته، ويومَ موته، ويومَ بعثه حيًّا
يَوْمَ وُلِدتُّ: يوم خروجه إلى الدنيا. وقد ثبت في السُّنّة أن الشيطان يطعن كل مولود في جنبه حين يولد إلا عيسى وأمه (البخاري: 3286 و3431، ومسلم: 2366)، وهذا من تكريم الله لهما، وهو ثابت بالحديث وليس نصاً في هذه الآية
وَيَوْمَ أَمُوتُ: يوم خروجه من الدنيا، وقد دلّت السُّنّة على أنه سيموت بعد نزوله آخر الزمان (أبو داود: 4324)، وله السلامة من الله (عَزَّ وَجَلَّ) في ذلك اليوم
وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا: يوم بعثه للقيامة، وله السلامة والنجاة من الله (عَزَّ وَجَلَّ) في ذلك اليوم. وليس معنى ذلك انتفاء هول الموقف عن الأنبياء؛ فقد ثبت في حديث الشفاعة الطويل أنهم يقولون يومئذ: «نفسي نفسي» (البخاري: 3340، ومسلم: 194)
وفي ذكر الولادة والموت والبعث دليلٌ ظاهر من جملة الأدلة على أن عيسى (عليه السلام) بشرٌ مخلوق وعبدٌ مربوب لله؛ فالإله الحق سبحانه حيٌّ قيوم، لا يولد ولا يموت، ولا يُبعث من قبر. وإنما تجري هذه السنن القدرية على المخلوقين، مما يبطل دعوى من اتخذوه إلهاً أو ابناً لله
عبودية المسيح وبراءته من دعوى الألوهية
قرّر القرآن حقيقة عيسى (عليه السلام) في مواضع، منها قوله تعالى على لسانه
وجاء هذا المعنى نفسه على لسانه في سورة مريم
وتتضمن هذه الآيات أصولاً عظيمة
إثبات عبوديته لله: بدأ كلامه بقوله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، فالعبودية والنبوة هما منزلته التي أثبتها الله له، وليستا ألوهية ولا بنوة
أن الله ربه ورب العباد جميعاً: فقوله ﴿رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ يقرر أنه مربوب لله، فلا يكون إلهاً ولا شريكاً لله في استحقاق العبادة
وجوب إفراد الله بالعبادة: فقوله ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ نتيجة لما قبله، ولم يدعُ الناس إلى عبادته، بل إلى عبادة الله وحده
وحدة دعوة الأنبياء في أصل التوحيد: دعا جميع الأنبياء أقوامهم إلى عبادة الله وحده وإن اختلفت بعض شرائعهم، وهذا هو الصراط المستقيم الذي لا يقوم على تأليه مخلوق
وتقرير عبوديته وبراءته من الشرك مبنيٌّ على حقيقة خلقه، ولذلك ينبغي بيان معنى قوله تعالى
فمعنى ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ أن المسيح خُلق بكلمة الله ﴿كُنْ﴾ من غير أب، فكان جنيناً وبشراً سوياً، فالمسيح ليس هو الكلمة نفسها ولا جُزْءًا من كلام الله لَكِنَّهُ خُلِقَ بِالْكَلِمَةِ، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "فَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ حِينَ قَالَ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ عِيسَى بِكُنْ، وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكُنَّ، وَلَكِنْ بِالْكُنِّ كَانَ
وأما «روح منه» فلا تعني أن عيسى جزء من الله سبحانه، بل هي إضافة تشريف وتكريم، وهو روحٌ من الأرواح التي خلقها الله، ولا يجوز تفسيرها بما يناقض توحيد الله وتنزيهه. وكما أن آدمَ (عليه السلام) روحٌ من الله خُلقت بتشريفه وتكريمه، فكذلك المسيحُ عيسى روحٌ منه، وكلاهما عبدان مخلوقان مربوبان لله، ولا يملك أيٌ منهما شيئًا من خصائص الألوهية. وقد خلق الله (عَزَّ وَجَلَّ) عيسى (عليه السلام) مثلما خلق آدم (عليه السلام) مِنْ تُرَابٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَبٍ أَوْ أُمٍّ، بكلمة الله ﴿كُنْ﴾ فصار بشراً حياً، قال تعالى
الحياة والرسالة: بركة التيسير والتأييد
رافقت البركةُ المسيحَ (عليه السلام) في دعوته بني إسرائيل إلى التوحيد والشرع الحق، ومن مظاهر ذلك
التخفيف عن بني إسرائيل: جاء مصدِّقاً للتوراة، وأحلّ الله على لسانه بعض ما كان محرَّماً عليهم
التأييد بروح القدس: قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 87]. وروح القدس هو جبريل (عليه السلام) عند جمهور المفسرين
البشارة بالنبي محمد (ﷺ): من أعظم ما جاء به عيسى (عليه السلام) التمهيدُ للرسالة الخاتمة والبشارةُ بها
المعجزات والتأييد الإلهي
اشتملت معجزاته (عليه السلام) على نفعٍ ورحمةٍ بالناس، ودلائلَ تُؤيَّد بها النبوة، وقد قيّدها القرآن الكريم بقيدٍ عقديٍّ صارم وهو ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لينفي أي شبهة ألوهية؛ فهي ليست خلقاً مستقلاً، وإنما خوارقُ عاداتٍ أجراها الله على يد رسوله تأييداً لنبوته وتصديقاً لرسالته
صناعة الطير من الطين: الخالق على الحقيقة هو الله وحده لا شريك له، وما صنعه عيسى (عليه السلام) هو تصوير الطين على هيئة الطير والنفخ فيه، فلا يصير الطين طيراً حياً إلا ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ فإيجاد الحياة في الطير كان بإذن الله وقدرته، والخالق للحياة هو الله وحده، وما كان لعيسى أن يفعل ذلك إلا بإذن الله، فهو سببٌ أجرى الله على يديه المعجزة، فلا يملك من أمر الخلق شيئًا إلا بمشيئة الله وإذنه
إبراء الأسقام وإحياء الموتى: قيّدها القرآن بقوله ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وجاء في سورة المائدة بخطاب الله له: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة: 110]، فهي معجزات أجراها الله (عَزَّ وَجَلَّ) على يد عيسى (عليه السلام)، لا يملكها استقلالاً ولا تدل على ألوهيته، وإنما تدل على قدرة الله (عَزَّ وَجَلَّ) وتأييده لرسوله؛ وقدرة المخلوق مهما أقدره الله عليه مخلوقة محدودة لا تستقل عن مشيئة الله (عَزَّ وَجَلَّ)
طلب عيسى (عليه السلام) من الله تعالى إنزال المائدة لتكون عيداً لهم وآية منه سبحانه
وتوعّد الله تعالى من يكفر بعد نزولها بعذاب شديد
عدم الصلب والرفع: النجاة والتكريم
حين تآمر الذين كفروا من بني إسرائيل على قتل وصلب عيسى (عليه السلام)، أبطل الله مكرهم، وأنجاه من كيدهم، ورفعه إليه، كما قال سبحانه
قال سبحانه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54]؛ أي إن الله سبحانه أبطل مكرهم، وردّ كيدهم، وأتمّ نوره، ونصر رسوله. ومكر الله بمن يمكرون بأوليائه ورسله مكرٌ يليق بجلاله، قائم على كمال علمه وقدرته وحكمته وعدله، وليس كَمَكْر المخلوقين الذي قد يكون ظلمًا أو عجزًا أو نقصًا. ولذلك يُذكر هذا الوصف في سياق المقابلة والجزاء العادل، ولا يُطلق اسمًا لله سبحانه من أسمائه الحسنى
وجه البركة: في الرفع تكريمٌ إلهي بالنجاة وتطهيرٌ له من مكر الكافرين، وفيه ردٌّ على من أرادوا إهانته بالصلب. ويظهر من فضله وتكريم الله له ما أخبر به الوحي من نزوله آخر الزمان وحكمه بالعدل وقتله الدجال.
وقد اختلف المفسرون في معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ في سورة آل عمران، فقيل: قابضك من الأرض ورافعك، وقيل: وفاة نوم، وقيل: في الآية تقديم وتأخير، فيكون المعنى: إني رافعك إليّ ومتوفيك بعد ذلك، وقد نقل ابن كثير هذا القول عن قتادة وغيره، ونقل أقوالاً أخرى في معنى التوفي. ولا يصح أن يُقال إن هذه الأقوال محل إجماع، ولا أن يُجعل لفظ ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ وحده دليلاً على قتلهم له وصلبهم، مع إغفال سائر النصوص. والمعتمد عند أهل السنة إثبات رفعه حياً ونفي قتله وصلبه، وإثبات نزوله آخر الزمان. وأما قوله
فيدخل في أتباعه على الحق من آمن به واتبع رسالته، ثم من آمن بمحمد (ﷺ) وصدّق عيسى (عليه السلام) على الوجه الذي جاء به القرآن؛ فالمسلمون يؤمنون بجميع الأنبياء ولا يغلون في أحد منهم
وصف النبي (ﷺ) لعيسى (عليه السلام) في السماء الثانية
ثبت في حديث الإسراء أن النبي (ﷺ) لقي عيسى ويحيى (عليهما السلام) في السماء الثانية، كما في (البخاري: 3207، ومسلم: 164). وثبت في حديث آخر وصفه (عليه السلام)، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه (البخاري: 3437) أن النبي (ﷺ) قال: «فإذا هو ربعةٌ، أحمرُ، كأنما خرج من ديماس»، أي من الحمّام
النزول في آخر الزمان: نشر التوحيد وإقامة العدل
دعوته إلى الإسلام وظهور البركة الشاملة
لا تقتصر البركة على الماضي، بل تمتد إلى نزوله آخر الزمان حَكَمًا مُقْسِطًا عادلاً، وتظهر البركة الشاملة في الحديث الآتي من خلال بسط الأمان الكوني العام (الأَمَنَةُ)، حيث تزول الشحناء من قلوب البشر، وتنقلب طبائع الدواب المفترسة إلى السلم والوئام، ويظهر الأمن حتى يلعب الصبيان بالحيات فلا تضرهم؛ وهذا من أعظم ما يناله الخلق في الدنيا من نماء الخير وثباته ودوامه ببركة تحكيم الشريعة وإظهار التوحيد في زمانه (عليه السلام). قال الرسول (ﷺ): «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَإِنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ: رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ مُمَصَّرَانِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الْأَمَنَةُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الْأُسُودُ مَعَ الإِبِلِ، وَالنِّمَارُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ». (أحمد: 9270، وأصل الحديث «الأنبياء إخوة لعلات...» البخاري: 3442، مسلم: 2365)
-
ينزل المسيح (عليه السلام) في آخر الزمان حاكماً بشريعة نبينا محمد (ﷺ) ومتبعاً لها، لا مُشَرِّعاً لدين جديد، ومن أبرز الأدلة على ذلك
نزوله وحكمه بشريعة محمد (ﷺ) وإمامة المسلمين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ﷺ) قال: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم» (البخاري: 3449)، ومعنى ذلك أنه يحكم بشريعة محمد (ﷺ) ويتبعها لا بشريعة جديدة، وفيه تكريمٌ لهذه الأمة. قال (ﷺ): «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، قَالَ: «فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ» (مسلم:156)
كسر الصليب وقتل الخنزير ووضع الجزية: قال (ﷺ): «ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حَكَمًا مُقْسِطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد» (البخاري: 2222، ومسلم: 155). ويقتل الخنزير تقريراً لتحريمه. ويُفهم من كسر الصليب إظهار بطلان ما ارتبط به من اعتقادات مخالفة لما أخبر به القرآن عن عيسى (عليه السلام)، ومنها دعوى قتله وصلبه تكفيراً عن خطايا البشر؛ وهذا استنباط عقدي من مجموع النصوص، وليس لفظ الحديث. وفي توجيه «يضع الجزية» قولان للعلماء: أنه لا يقبلها ولا يقبل إلا الإسلام، أو أن ذلك لكثرة المال وعدم الحاجة إليها، وقال (ﷺ): «فيقاتل الناس على الإسلام» (أبو داود: 4324). وذكر بعض العلماء احتمالاً يربط عدم قبول الجزية بانكشاف الشبهة التي يتعلّق بها أهل الكتاب بعد نزول عيسى (عليه السلام)
قتل الدجال: وهو رأس الفتنة والادعاء الباطل للألوهية؛ يقتله عيسى (عليه السلام) عند باب لُدّ (مسلم: 2937). وجاء في اللفظ الآخر عند مسلم أنه إذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح، فقال (ﷺ): "ولكن يقتله الله بيده فيريهم دمه في حربته" (مسلم: 2897).
والتوجيه الشرعي للفظ: أن القتل باشرته يد المسيح عيسى (عليه السلام) بحربته، ونُسِب الفعل إلى الله تعالى لأنه سبحانه الموفِّق والمميت والخالق للفعل على الحقيقة؛ وهذا تماماً كقوله تعالى
فالعبد يباشر السبب، والله سبحانه هو الذي يخلق الأثر والنتيجة، وفي هذا أبطل دليل على ألوهية المسيح؛ لأنه عبدٌ مأمور ومقيَّد بحول الله وقوته
إهلاك يأجوج ومأجوج: يدعو عيسى (عليه السلام) وأصحابه ربهم، فيرسل الله (عَزَّ وَجَلَّ) على يأجوج ومأجوج النَّغَف في رقابهم فيصبحون موتى، فالإهلاك من الله تعالى (مسلم: 2937).
ظهور العدل والأمان: جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم في نزوله (عليه السلام): «وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ» (مسلم: 155)، وهذا من آثار ما أخبر به الحديث من الأمن وزوال العداوة في زمانه
فيض الخيرات والبركة: قال (ﷺ): «ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ...» (مسلم: 2937)
شعائر العبودية: يحج ويعتمر، قال (ﷺ): «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» (مسلم: 1252)، وجاء في حديث نزوله: «وَتَكُونُ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (البخاري: 3448، ومسلم: 155). ووجه الاستدلال بالحديثين أنهما يبيّنان فضل السجود لله (عَزَّ وَجَلَّ) في ذلك الزمان وانصراف الناس إلى العبادة
مدة مكثه ووفاته: ثبت في السُّنّة نزول عيسى (عليه السلام) وموته كسائر البشر؛ دلالةً على بشريته وعبوديته. وقد جاء النص الصريح بمدة مكثه أربعين سنة كما في رواية أبي داود (رقم: 4324) ومسند أحمد. بينما جاء في صحيح مسلم أن الناس يمكثون بعد هلاك الدجال سبع سنين؛ حيث قال (ﷺ): «ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ، لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ» (مسلم: 2940)، وفهم بعض العلماء من هذا اللفظ مدة مكثه بعد النزول. والأولى مَنْهَجِيًّا الجمع بينهما وفق ما حرره العلماء؛ إما بحمل السبع سنين على زمن الأمان الصافي والخير المحض بعد هلاك الدجال، أو بجعل الأربعين هي مجموع مكث المسيح في الأرض؛ بناءً على ما يُروى في بعض الآثار وأقوال العلماء بأنه أقام في الأرض ثلاثاً وثلاثين سنة قبل الرفع، فيُضاف إليها سبع سنين بعد النزول ليكون المجموع أربعين سنة
اللطيفة التفسيرية لقوله تعالى وَكَهْلًا
والكَهْلُ: هو مَن جاوزَ طَورَ الشبابِ ودخلَ في سِنِّ الاكتهالِ وكمالِ العقل. وقد قال اللهُ تعالى في شأن عيسى ابنِ مريمَ
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 46])
فقرنَ بين كلامِه في المهدِ باعتباره معجزةً خارقةً، وكلامِه كهلًا؛ وفي هذا إشارةٌ تدبريةٌ عند بعض المفسرين إلى كلامه بعد نزوله في آخر الزمان، مَعَ اتِّسَاعِ الآيةِ لأقوالِ المفسرين الأخرى (وهي أن الكلام في الكهولة مقصود به إخبار الله تعالى لمريم بنبوة عيسى واستمرار حياته حتى يبلغ هذه السن المعتادة عند البشر)
مشهد المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) يوم القيامة
بعد موت عيسى (عليه السلام) وبعثه يقف يوم القيامة موقفاً مشهوداً يخاطبه الله فيه أمام الخلائق. والخطاب موجَّه إليه، والمقصود به توبيخ من اتخذوه وأمَّه إلهين من دون الله وإقامة الحجة عليهم على رؤوس الأشهاد، كما ذكر المفسرون
تنزيه الله وأدب الجواب
-
حصر دعوته في التوحيد
















